مصطفى ديب البغا / محيي الدين ديب مستو
99
الواضح في علوم القرآن
1 - التحسين الذي يبيّن إعراب الكلمات ويمنع اللحن فيها : فقد علمنا أن الرسم القرآني كان خاليا عن الشكل الذي يبيّن إعراب الكلمات نصبا أو رفعا ، وجرا أو جزما ، وأن العربيّ كان بسليقته يهتدي إلى قراءتها على وجه الصواب ، لأنه لا يمكن - وهو فطريّ اللسان - أن يرفع المفعول وينصب الفاعل ، وغير ذلك . ولكن لما اتّسعت الفتوحات ، وأقبل المسلمون غير العرب على تعلم القرآن وقراءته واختلط العرب بغيرهم وكاد لسانهم أن يستعجم ، وفشا اللحن في اللغة العربية على الألسنة وكاد أن يصل إلى القرآن ، فخشي المسلمون أن ينتشر ذلك ويكثر ويمتد إلى كتاب اللّه تعالى ، فيقع التحريف في أدائه ومعناه ، فأسرعوا إلى تدارك الأمر قبل أن يستفحل ، ووضعوا علامات يعرف بها إعراب كلماته . وكان السابق لهذا الفضل ، والمباشر لهذا التحسين لأول مرة هو أبو الأسود الدؤلي الذي وضع قواعد النحو بإشارة من عليّ رضي اللّه عنه . والذي فعله أبو الأسود : هو أنه جعل علامات الإعراب نقطا على أواخر الحروف فقد جعل علامة النصب نقطة فوق الحرف ، وعلامة الرفع نقطة وسطه ، وعلامة الجر نقطة تحته ، وعلامة السكون نقطتين . وكان السبب المباشر لقيامه بهذا العمل ، هو أنه سمع قارئا يقرأ قوله تعالى : أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ بكسر اللام من ( رسوله ) فقال : عزّ وجه اللّه أن يبرأ من رسوله ، وقال : ما ظننت أن أمر الناس آل إلى هذا . وكان زياد بن أبيه ، قد طلب منه أن يعمل شيئا يكون إماما ، ويعرف به كتاب اللّه عزّ وجلّ فاستعفاه من ذلك ، ولكن لما سمع ما سمع ، رجع إلى زياد وأخبره أنه عازم على فعل ما طلب منه ، واستعانه بكاتب يفعل ما يقوله له ، وقال للكاتب لما بدأ العمل : إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة فوقه ، وإن ضممت فمي فانقط بين يدي الحرف ، وإن كسرت فاجعل النقطة من تحت ، ففعل ذلك « 1 » .
--> ( 1 ) كتاب النقط ؛ لأبي عمرو الداني ( ص 124 - 125 ) .